"أخطر الأماكن ليست تلك التي تفصلنا عن العالم، بل تلك التي تحبسنا مع أنفسنا."
كانت الشقة تقع في الطابق الخامس من مبنى حجري داكن في حي "باريو دي لاس ليتراس" بقلب مدريد، حيث الشوارع ضيقة كشرايين متصلبة، وتاريخ الأدباء يفوح من رطوبة الجدران. "إلياس"، مترجم نصوص تاريخية في أواخر أربعينياته، استأجرها لسببين: رخص ثمنها، والصمت المطبق الذي يسكنها. المالك السابق، رسام تجريدي عجوز، وُجد ميتاً هنا بعد أسابيع من وفاته. تقرير الشرطة أشار إلى سكتة قلبية، لكن جاراته العجائز تهامسن بأن "الوحدة هي التي أكلت قلبه". لم يكترث إلياس؛ كان يبحث عن قبو مرتفع يدفن فيه أرقَه المزمن وهزائمه الشخصية المتتالية، بعيداً عن هواتف لا يتوقف رنينها برسائل لا يقرؤها.
كان روتين إلياس صارماً في عزلته. فنجان قهوة يبرد دائماً قبل أن يشربه، كومة من المخطوطات الصفراء المترجمة التي يكسوها غبار خفيف، ومعطف معلق على الباب لم يرتده منذ أسبوعين. كان يهرب من العالم، لكنه لم يدرك أن الفراغ الذي خلقه حوله بدأ يمتص روحه ببطء.
في صباحه الأول، استيقظ على صوت مطر خريف مدريد البارد ينقر على زجاج النافذة الكبيرة المطلة على فناء داخلي موحش – بئر عميق من الطوب الأحمر لا تدخله الشمس. كانت الغرفة غارقة في ضوء رمادي كئيب. عندما اقترب ليراقب قطرات المطر، رآها.
كلمة واحدة محفورة في بخار الزجاج المتكاثف من الخارج، بخط متعرج كأنه كُتب بإصبع مرتعش:(افتح).
خلف النافذة لم تكن هناك شرفة، فقط هوة سحيقة تنتهي بأرضية الفناء الصخرية بالأسفل. مسح إلياس الزجاج من الداخل بكم سترته الصوفية المترهلة. "مجرد تكاثف غريب، ربما قطرة ماء رسمت هذا المسار بالصدفة"، تمتم لنفسه. كان صوته أجشاً، غريباً في الغرفة الفارغة، كصوت آلة لم تُستخدم منذ زمن.
في اليومين التاليين، لم يعد الأمر مجرد صدفة. أصبح حواراً من طرف واحد. كل فجر، قبل أن تشرق شمس إسبانيا الشاحبة، كانت الرسائل تتغير. الخط لم يعد يبدو كإصبع عابر، بل كأظافر يائسة تحفر في الجليد:
(افتح الباب... الجو بارد).
في اليوم الرابع، قرر إلياس المقاومة. سحب كرسيه الجلدي القديم ووضعه مقابل النافذة. أضاء مصباحاً أصفر خافتاً، وتسلح بكوب من القهوة السوداء، عازماً على قضاء الليل يراقب هذا "المخادع" الذي يتسلق الجدران الملساء. لكن الصمت كان ثقيلاً، والبرد المتسرب من شقوق النافذة كان يخدر حواسه. غفا رغماً عنه. حين فتح عينيه منتفضاً، كانت القهوة قد تجمدت في قاع الكوب، وعلى الزجاج، رُسمت جملة جديدة، بحروف كبيرة غاضبة:
لماذا تتركني في الخارج؟
بدأ إلياس يشعر بالبرد يزحف تحت جلده، برد لا يمكن للمدفأة المركزية المهترئة علاجه. في عصر ذلك اليوم، هرب من الشقة للمرة الأولى. نزل الدرجات الخشبية الملتوية بسرعة، باحثاً عن أي احتكاك بالواقع. في الطابق الأرضي، التقى بـ "سينيور توماس"، حارس المبنى العجوز الذي كان يمسح الأرضية ببطء.
"سينيور توماس"، قال إلياس بصوت يرتجف، محاولاً رسم ابتسامة طبيعية، "هل هناك عمال صيانة يعملون على السطح؟ أو ربما... لصوص يتسلقون الفناء الداخلي؟" توقف الحارس العجوز عن المسح، واتكأ على عصاه الخشبية. رمق إلياس بنظرة طويلة، متفحصاً وجهه الشاحب وعينيه الغائرتين المحاطتين بهالات سوداء. "لا أحد يصعد إلى السطح يا سيد إلياس"، أجاب توماس بصوت خشن. "الباب الفولاذي مغلق بقفل صدئ منذ عشرين عاماً. والفناء الداخلي ليس فيه حتى قطط مشردة. أنت تبدو متعباً يا بني... كأنك لم تنم منذ جئت إلى هنا."
عاد إلياس إلى شقته يجر قدميه. أغلق الباب خلفه، أدار المفتاح النحاسي مرتين، ودفع الترباس المعدني الثقيل. تنفس الصعداء، ظاناً أنه حجز الخطر في الخارج. لم يعلم أنه أغلق الباب على نفسه... معه.
في اليوم السابع، لم تكن هناك رسالة استجداء على النافذة. سحب الستارة ببطء، متوقعاً المزيد من التوسلات، لكن الزجاج كان نظيفاً وشفافاً. التفت ليعود لمكتبه، فتجمد الدم في عروقه.
الرسالة كانت مكتوبة الآن على زجاج خزانة ملابسه، من الداخل، بخار دافئ يتصاعد منها:(لم أعد في الخارج.)
شعر بنسمة هواء جليدية تداعب رقبته. مصدرها لم يكن النافذة. التفت ببطء شديد نحو باب الشقة الثقيل المصنوع من خشب البلوط. كان الباب موارباً. مجرد شق صغير، لكنه كافٍ ليدخل الليل كله إلى غرفته. "مستحيل"، همس إلياس، وعقله يترنح على حافة الانهيار. "لقد أغلقت الترباس البارحة... أتذكر صوت المعدن."
اقترب من الباب المفتوح، خطوة بخطوة، كمن يسير إلى مقصلة. مد يده ليدفعه ويغلقه، لكن صوتاً أوقفه. ليس همساً، بل تنفس. تنفس ثقيل، رطب، يأتي من الزاوية المظلمة للمدخل، خلفه تماماً.
"لقد تأخرت كثيراً..."
كان الصوت صوته. ليس كما يسمعه حين يتحدث، بل كما يسمعه في شريط مسجل قديم، مألوف، ولكنه مشوه ومخيف.
استدار إلياس بعنف ليواجه المتحدث، لكن المدخل كان فارغاً. لم يكن هناك سوى مرآة جدارية طويلة بإطار مذهب معلقة على الحائط المقابل. نظر إلى المرآة. ورأى الحقيقة التي كانت أشد رعباً من الموت.
انعكاسه في المرآة لم يكن يتحرك معه. كان "إلياس" الآخر واقفاً بثبات، يرتدي نفس السترة الصوفية، لكن عينيه كانتا فارغتين من أي بريق بشري، وفمه ملتوٍ في ابتسامة ساخرة، منتصرة.
رفع الانعكاس يده ببطء. في راحة يده، لمع مفتاح الشقة النحاسي. "كنت أنتظر أن تفتح"، قال الانعكاس، بينما شفاه إلياس الحقيقي متيبسة لا تقوى على الحركة. "كنت أتجمد في الخارج... في الفراغ الذي تركته داخلك."
قبل أن يتمكن إلياس من الصراخ، لم يخرج الانعكاس من المرآة، بل حدث العكس. تراجع الانعكاس إلى الخلف، بعيداً في عمق الزجاج المظلم، ساحباً معه الضوء، الهواء، ونبض الغرفة. شعر إلياس بجسده يتلاشى، يُشفط نحو سطح بارد وقاسٍ. العالم الحقيقي بدأ يصبح مسطحاً وصامتاً.
آخر ما سمعه إلياس من داخل سجنه الزجاجي، كان صوت خطوات ثقيلة ومطمئنة تمشي على أرضية الشقة الخشبية مقتربة من الباب. ثم صوت المفتاح النحاسي يدور في القفل دورتين كاملتين، وصوت الترباس المعدني يغلق بإحكام نهائي.
حتى اليوم، يقول سكان المبنى القديم في مدريد إن شقة الطابق الخامس مسكونة بالصمت الدائم. لا أحد يدخلها ولا أحد يخرج منها. لكن في ليالي الشتاء الماطرة، إذا وقفت في الفناء الداخلي ورفعت بصرك، قد ترى رجلاً شاحباً يقف خلف زجاج النافذة المعتمة، يحدق في الفراغ بعيون ميتة. وإذا دققت النظر أكثر، قد تلاحظ بخاراً خفيفاً يتشكل على الزجاج، وكلمات تُكتب بصمت من الداخل:(افتح الباب... أنا وحيد).
تمت
كتبها: سليم شمس · 22 فبراير 2026
إلى أي حد أخافتك؟
اسحب الشريط.
ماذا تقول؟