كانت أنفاس "باولو" تتكسر في هواء الغرفة كشظايا من دخان أبيض. في الخارج، ابتلعت عاصفة ثلجية هوجاء معالم الحي بأكمله، وطمرت النوافذ حتى منتصفها بكتل بيضاء صلبة. في الداخل، كان سخان الشقة العتيق قد أصدر حشرجة الموت الأخيرة منذ ساعات، تاركاً إياه فريسة لصقيع يزحف ببطء نحو عظامه.
لم يكن أمامه خيار. لفّ جسده ببطانية صوفية خشنة، ونزل درجات القبو الخشبية المتهالكة بحثاً عن أي حطب تركه المالك السابق.
رائحة العفن والرطوبة المتجمدة ضربت وجهه بمجرد أن دفع الباب. أضاء كشافه اليدوي، وبدأ يجمع قطعاً من خشب البلوط القاسي المتناثرة في الزاوية. وبينما كان ينحني لالتقاط قطعة كبيرة، توقف.
لم يكن صوتاً، بل كان ذبذبة. ارتجاف خافت سرى في أرضية القبو الترابية وانتقل عبر نعل حذائه. وجه شعاع الكشاف نحو الزاوية الأبعد، حيث تكومت أكياس خيش متعفنة. شيء ما هناك كان يجذب انتباهه، ثقل غير مرئي يسحب بصره وأطرافه نحو بقعة مظلمة تحت طين متجمد.
نبش الطين القاسي بأصابعه المرتجفة. اصطدمت أظافره بسطح صلب، دائري. سحبه بصعوبة من رحم الأرض المتجمدة. لم يكن كنزاً، بل أسطوانة فونوغراف سوداء، ثقيلة بشكل مزعج، وباردة كقطعة جليد نُزعت من صدر ميت.
عاد إلى الصالة يرتعد. أشعل النار في الموقد الحجري بصعوبة، وجلس القرفصاء أمامه. بدافع فضولٍ غريزي لكسر صمت العزلة المرعب، أمسك منشفة خشنة وبدأ يمسح الأسطوانة من الطين اللزج.
مع كل حركة دائرية، كانت الأخاديد السوداء تظهر لامعة في ضوء النار المتراقص. وحين مسح مركزها، توقفت يده. كان هناك خدش عميق وقاسٍ يشق مسارات الأسطوانة، كأنه نُحت بمسمار محمى. المفارقة التي جعلت معدته تتقلص، أنه كلما نظفها أكثر، شعر ببرودة غريبة تنبعث منها، كأنها تبتلع حرارة النار المجاورة.
في زاوية الصالة، كان يقبع مشغل أسطوانات نحاسي قديم، جزء من أثاث الشقة الكئيب. وضع باولو الأسطوانة عليه، وأنزل الإبرة المعدنية برفق.
طقطقة.. خشخشة.. ثم بدأ الصوت.
لم تكن موسيقى. كان صوت خطوات ثقيلة تسحق الثلج.. كرتش.. كرتش.. ببطء شديد. ثم تلاه صوت أنفاس متلاحقة، مجهدة، وسعال جاف أتبعه لهاث. قطب باولو جبينه وانحنى ليغلق الجهاز. "سحقاً لهذا الهراء"، تمتم بصوت منخفض، وألقى بنفسه على الأريكة أمام النار محاولاً النوم.
في منتصف الليل، استيقظ مفزوعاً. النار انطفأت تماماً، والبرد في الصالة أصبح حاداً كشفرات حلاقة. لكن ما أيقظه لم يكن البرد.
كرتش.. كرتش..
الصوت لم يكن قادماً من المشغل. كان يأتي من الممر المظلم المؤدي لغرفة النوم. نفس الإيقاع. نفس ثقل الخطوة.
حبس باولو أنفاسه، وتلمس الجدار بيده لينهض. نظره معلق بفتحة الممر الحالكة. فجأة، سمع صوت طقطقة الإبرة من الزاوية. التفت بحدة. المشغل كان يدور وحده في العتمة.
اندفع نحو الجهاز ليوقفه، لكن يده تجمدت في الهواء حين انبعث الصوت من البوق النحاسي. لم تكن خطوات هذه المرة. كان صوتاً بشرياً يهمس بنبرة مبحوحة: "سحقاً لهذا الهراء".
تراجع باولو للخلف حتى اصطدم ظهره بالجدار. كان هذا صوته هو. نبرته بالتحديد التي نطق بها قبل ساعات. تغير مسار الأسطوانة بصرير مزعج، وبدأت تبث صوتاً جديداً: صوت أنفاس سريعة، مرعوبة، تلهث بقوة. أدرك باولو بوضوح يصيب بالدوار، أن المشغل لا يعزف الماضي.. بل يعزف أنفاسه هو، الآن، في هذه اللحظة بالذات.
تحركت ظلال الغرفة بشكل غير طبيعي. الصقيع المتراكم على زجاج النافذة بدأ يزحف للداخل، يتلوى كعروق بيضاء ميتة، ويتجمع في منتصف الغرفة مشكلاً كياناً طويلاً، غير متساوٍ، لا ملامح له سوى فجوة داكنة حيث يجب أن يكون الوجه.
استدار باولو وركض نحو باب الشقة. أمسك بالمقبض النحاسي وجذبه بكل قوته، لكنه لم يتحرك. صرخ وضرب خشب الباب بكتفه.. مرة، مرتين. وخلفه، كان المشغل يرتفع صوته، يبث أصوات ضرباته على الباب وتأوهاته المتألمة قبل حتى أن تصدر من حنجرته بثانية واحدة.
الجدار الخشبي للباب بدأ يذوب تحت يديه، يتحول إلى سطح أملس صلب بلا مقبض ولا شقوق. امّحى المخرج تماماً.
اقترب الظل المتجمد. انخفضت الحرارة إلى حد جعل مقلتي باولو تحرقانه. شعر بقوة هائلة، غير مرئية، تلتف حول كاحليه وتجره على الأرضية الخشبية نحو البوق النحاسي.
حاول التشبث بحواف الأريكة، فانكسرت أظافره. فتح فمه ليطلق صرخة استغاثة أخيرة مزقت حنجرته، لكن المروع.. أن الصرخة لم تدوِ في الغرفة. لقد امتصها الصمت، لتخرج فوراً، مضخمة ومخيفة، من بوق المشغل، ممزوجة بخشخشة الإبرة.
تقلص جسده، وعُصرت عظامه بألم لا يدركه عقل، ساحبةً إياه نحو المركز الدوار. وفي اللحظة الأخيرة قبل أن يغيب وعيه، رأى السطح الأسود يبتلعه بالكامل، ليصبح هو مجرد خدش جديد يئن في مساراتها.
بعد أسبوعين، ذاب الثلج، وفُتحت الطرقات.
وقف مالك البناية وسط الصالة الفارغة، يفرك ذقنه بحيرة. لا أثر للمستأجر الجديد، ولا لملابسه. كأنه لم يكن هنا يوماً. تنهد بضجر وهو يجمع بعض الخردة لتنظيف المكان. التقط أسطوانة سوداء ملقاة بجوار الموقد، مسح الغبار عنها بطرف كمه بلامبالاة، وألقاها في صندوق كرتوني مع بقية المهملات.
في مساء اليوم التالي، كانت الأسطوانة تستقر بهدوء في زاوية معتمة داخل متجر لبيع الأنتيكة وسط المدينة. صوت جرس الباب يُعلن عن دخول زبون جديد يبحث عن تحفة نادرة. تمد اليد، تقلب الأسطوانة. وعلى ملصقها المركزي الباهت، حيث لا يوجد اسم أو عنوان، برز خدش جديد، حديث وعميق، يشكل بصعوبة كلمتين:
الساكن الحالي.
إلى أي حد أخافتك؟
اسحب الشريط.
ماذا تقول؟ 1
مرعبة جدا